السمنة المفرطة وعلاجها: 7 حلول علمية تبدأ من نمط الحياة وتصل لـ ماريتايد
لم تعد السمنة المفرطة اليوم مجرد هاجسٍ جمالي أو زيادة عابرة في الوزن، بل تحولت إلى وباء العصر الذي يلقي بظلاله القاتمة على ملايين الأشخاص حول العالم، مخلفةً وراءها مخاطر صحية جسيمة تفتك بالرفاهية الجسدية والنفسية على حدٍ سواء.
إن الوقوف في وجه هذا التحدي العالمي لم يعد يحتمل الحلول المؤقتة أو الاجتهادات الفردية، بل يفرض ضرورة تبني نهج تشخيصي وعلاجي متكامل، يغوص في أعماق المسببات الحيوية، ويمتد ليشمل استراتيجيات إدارة مخصصة لكل حالة.
في هذا المقال، نفتح ملف السمنة المفرطة وعلاجها من منظور طبي حديث، لننتقل من مرحلة التوصيف والتقييم العملي إلى رحلة البحث عن الحلول الأكثر استدامة وأمانًا، مستعرضين أحدث ما توصل إليه العلم من استراتيجيات وقائية، وتدخلات علاجية ترسم ملامح حياة أكثر صحة وحيوية.
تعريف السمنة المفرطة
يتبلور تعريف السمنة المفرطة طبيًا عندما يبلغ مؤشر كتلة الجسم (BMI) لدى الفرد حاجز الـ 40 أو يتجاوزه، ويُعد هذا المؤشر مقياسًا معياريًا بسيطًا يرتكز على المقارنة بين وزن الفرد وطوله، وغالبًا ما تشير القيمة التي تلامس أو تزيد عن الـ 40 إلى ارتفاع حاد وخطير في نسبة الدهون المختزنة في الجسم.
وعند الوصول إلى هذا المستوى الحرج، تبدأ وظائف الجسم الحيوية في التدهور والارتباك تحت وطأة الضغط الناجم عن الوزن الزائد؛ حيث تتصاعد احتمالات الإصابة بأمراض مهددة للحياة بشكل دراماتيكي، ومن أبرزها:
- أمراض القلب والأوعية الدموية.
- السكتات الدماغية.
- داء السكري من النوع الثاني.
- أنواع مختلفة من الأورام السرطانية.
إلى جانب هذه المخاطر، يواجه المصابون تحديات يومية قاسية في أداء الأنشطة البدنية الأساسية؛ كالمشي، أو صعود السلالم، أو حتى الثبات في وضعية الوقوف لفترات طويلة، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتسبب الوزن الفائض في تآكل المفاصل وإجهاد الأعضاء الداخلية، مما يؤدي إلى تفاقم الأزمات الصحية القائمة أصلاً، وهنا تبرز الأهمية القصوى لفهم السمنة المفرطة وعلاجها ضمن خطة طبية شاملة تعيد للجسم توازنه وقدرته على الحركة.
السمنة من الدرجة الثالثة: تحول جوهري في المسمى والمنهج
في إطار التطور المستمر للعلوم الطبية، استُبدل مصطلح “السمنة المفرطة” بمسمى جديد هو “السمنة من الدرجة الثالثة”؛ وهو توصيف طبي أكثر دقة وأقل “وصمًا” للفرد.
وقد جاء هذا التحول اللغوي بهدف تجريد المصطلح من الدلالات السلبية والعبء النفسي والعاطفي الذي كانت تحمله كلمة “مفرطة”، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الدقة العلمية في تصنيف المرحلة الأكثر حرجاً من المرض.
حيث تُصنّف “السمنة من الدرجة الثالثة” كأعلى مستويات السمنة وفقًا لمعايير مؤشر كتلة الجسم، وهي تُشير بوضوح إلى الأفراد الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الجسيمة، ويأتي تبني هذا المصطلح الجديد كجزء من جهود عالمية لتعزيز نهج طبي داعم وإنساني لعلاج السمنة؛ نهجٍ يتخلص من لغة الأحكام المسبقة التي قد تحول بين المريض، وبين شجاعة طلب المساعدة الطبية اللازمة.
أسباب السمنة المفرطة
يتجاوز تطور السمنة المفرطة وعلاجها المفهوم التقليدي القائل بأنها مجرد نتيجة للإفراط في تناول الطعام؛ فهي حالة بيولوجية معقدة تتشابك فيها خيوط متعددة.
فبينما تبرز العادات الغذائية غير المتوازنة وخمول النشاط البدني كعوامل مساهمة، إلا أن هناك منظومة من المؤثرات الوراثية، والبيئية، والنفسية التي تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة من غيرهم لخوض هذه المعركة الصحية.
وفي واقع الأمر، قد يمتلك بعض الأشخاص استعدادًا جينًا يجعل الحفاظ على وزن مثالي تحديًا شاقًا، بينما يتأثر آخرون بحالات صحية كامنة تدفع الجسم نحو زيادة مفرطة في الوزن بشكل لا إرادي.
أولاً: البصمة الوراثية ولغز الشهية
تلعب الوراثة دورًا محوريًا في رسم ملامح قابلية الفرد للإصابة بزيادة الوزن؛ حيث أكدت الدراسات العلمية أن بعض الجينات تتدخل بشكل مباشر في كيفية معالجة الجسم للمواد الغذائية، وطرق تخزين الدهون، وآليات تنظيم عملية الأيض (التمثيل الغذائي).
- تنظيم الطاقة: تؤدي الاختلافات الجينية في الهرمونات المسؤولة عن الشهية وتوازن الطاقة إلى جعل بعض الأفراد أكثر عرضة لزيادة الوزن من غيرهم.
- الإرث العائلي: إن وجود تاريخ عائلي للسمنة يرفع من احتمالية الإصابة بالنوع المفرط منها، وغالبًا ما يجعل هذا العامل الجيني من رحلة فقدان الوزن مسارًا أكثر صعوبة، حتى مع الالتزام بالحمية والرياضة، مقارنةً بمن لا يملكون هذا الاستعداد الوراثي.
ومن الجدير بالذكر؛ رغم أن الجينات قد تضعك في دائرة الخطر، إلا أنها ليست قدرًا حتميًا، إذ تظل خيارات نمط الحياة والتدخلات العلمية ضمن برامج السمنة المفرطة وعلاجها قادرة على إحداث الفارق الجوهري.
ثانيًا: المؤثرات البيئية ونمط الحياة المعاصر
تعد البيئة المحيطة والنمط الحياتي المحركين الرئيسيين لتصاعد معدلات السمنة عالميًا؛ حيث نعيش في وسط يروج بكثافة للأنظمة الغذائية المشبعة بالأطعمة المصنعة، والسكريات، والدهون غير الصحية، مسوقًا إياها كخيارات مريحة واقتصادية، مما يدفع الكثيرين نحو فخ الخيارات الغذائية السيئة.
- مناطق انعدام الغذاء الصحي: يساهم نقص خيارات الطعام الطازج والمفيد في بعض الأحياء السكنية في ترسيخ عادات أكل تفتقر للقيمة الغذائية.
- الخمول الرقمي: أدى الاعتماد الكلي على التكنولوجيا وانحسار الجهد البدني في المهام اليومية إلى شيوع أنماط الحياة الخاملة، مما جعل توفير الطاقة المكتسبة من الطعام أمرًا يسيرًا وتصريفها أمرًا شاقًا.
- العوامل النفسية والسلوكية: لا يمكن إغفال دور الأكل العاطفي، والتوتر المزمن، واضطرابات النوم في تفاقم هذه المشكلات؛ حيث تؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى اختلال كيمياء الجسم وتراكم الدهون بمرور الوقت.
أعراض السمنة المفرطة أو السمنة من الدرجة الثالثة
تُصنف السمنة من الدرجة الثالثة، كأحد أخطر التحديات الصحية التي تواجه الفرد، حيث تتجاوز مجرد الزيادة في الوزن لتصبح حالة حادة تتطلب فهمًا دقيقًا لأبعاد السمنة المفرطة وعلاجها.
إذ تظهر هذه الحالة عبر مجموعة من الأعراض والعلامات التي تؤثر جوهريًا على جودة الحياة واستمرارية الوظائف الحيوية، وهي كالآتي:
-
التراكم الحاد للدهون في الجسم
تُعد العلامة الفارقة لهذا المستوى من السمنة هي الزيادة المفرطة في النسيج الدهني؛ حيث يُصنف الفرد طبيًا ضمن هذه الفئة إذا بلغ مؤشر كتلة جسمه (BMI) الرقم 40 أو تجاوز ذلك.
-
تعذر الأداء البدني والجهد العضلي
يواجه المصابون صعوبة بالغة في إنجاز المهام الحركية البسيطة، مثل المشي، أو ارتقاء السلالم، أو حتى الثبات في وضعية الوقوف لفترات زمنية، وذلك نتيجة العبء الميكانيكي الكبير للوزن الزائد على الهيكل العظمي.
-
الإرهاق المزمن والتعرق المفرط
نتيجة الجهد الاستثنائي الذي يبذله الجسم لتحريك الكتلة الزائدة، يقع المصاب تحت طائلة الإعياء السريع والتعرق الغزير، إذ تضطر الأجهزة الحيوية للعمل بأقصى طاقتها لإتمام الأنشطة اليومية الاعتيادية.
-
اضطرابات التنفس الميكانيكية
يؤدي تراكم الدهون حول منطقة الصدر والحجاب الحاجز إلى الضغط المباشر على الرئتين، مما يسفر عن ضيق في التنفس وشعور مستمر بالاختناق عند بذل أدنى مجهود.
-
متلازمة انقطاع النفس النومي
تعتبر السمنة الشديدة مسببًا رئيسيًا لهذا الاضطراب، حيث يتوقف التنفس بشكل متكرر أثناء النوم، مما يؤدي إلى جودة نوم منخفضة وشعور دائم بالخمول نهارًا.
-
تآكل وآلام المفاصل المزمنة
يتحمل الجهاز الحركي ضغوطاً تفوق قدرته الطبيعية، مما يؤدي إلى آلام حادة في المفاصل، وتيبس في الحركة، والتهابات مزمنة قد تصل إلى حد العجز الحركي.
طرق تشخيص السمنة المفرطة للاطفال والكبار
يستند تشخيص السمنة المفرطة بشكل أساسي إلى مزيج دقيق بين الفحص السريري الشامل، والمراجعة المستفيضة للتاريخ الطبي للمريض، كما يُعد مؤشر كتلة الجسم (BMI) المعيار الذهبي في هذا التشخيص؛ فإذا استقر هذا المؤشر عند 40 كجم/م² أو تجاوزه، فإنه يمنح الطبيب مؤشرًا دقيقًا على درجة الخطورة، وهو ما يمثل حجر الزاوية في فهم السمنة المفرطة وعلاجها بطريقة علمية صحيحة.
للوصول إلى تقييم شامل، يعتمد الأطباء على مجموعة من التقنيات التشخيصية المتطورة، وتشمل:
- حساب مؤشر كتلة الجسم (BMI): لتصنيف درجة السمنة وتحديد المخاطر الصحية المرتبطة بها.
- المراجعة الشاملة للتاريخ الصحي: للوقوف على العوامل الوراثية والبيئية التي ساهمت في زيادة الوزن.
- الفحص البدني العام: لتقييم الحالة الحيوية العامة للجسم.
- تحاليل الدم واختبارات التصوير: للكشف عن التأثيرات الداخلية للسمنة على الأعضاء الحيوية.
- قياس محيط الخصر: لتقدير حجم الدهون الحشوية وتأثيرها على صحة القلب والأوعية الدموية.
- استقصاء المشكلات الصحية المرتبطة: مثل الكشف عن انقطاع التنفس أثناء النوم أو مشاكل المفاصل.
الفحوصات المخبرية الدقيقة لتقييم الحالة
لا يكتفي الطبيب بالفحص الظاهري، بل يوصي بسلسلة من الاختبارات المعملية التي ترسم صورة متكاملة لوظائف الجسم الحيوية، وأبرز هذه الفحوصات:
- تعداد الدم الكامل (CBC): للاطمئنان على الحالة الصحية العامة ومستويات الهيموجلوبين.
- فحص التمثيل الغذائي الأساسي: لتقييم توازن الكيمياء الحيوية في الجسم.
- اختبارات وظائف الكلى والكبد: للتأكد من كفاءة الأعضاء المسؤولة عن تنقية السموم والتمثيل الغذائي.
- تحليل ملف الدهون: لقياس مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية.
- اختبار السكر التراكمي (HbA1C): للكشف عن مقدمات السكري أو مراقبة مستوى السكر في الدم.
- اختبار الهرمون المنبه للغدة الدرقية (TSH): للتأكد من عدم وجود قصور يؤدي لزيادة الوزن.
- قياس مستويات فيتامين (د): نظرًا لارتباط نقصه الشائع بحالات السمنة.
- تحليل البول الشامل: للكشف عن أي مؤشرات غير طبيعية لوظائف الجسم.
- اختبار البروتين التفاعلي (CRP): لقياس مستويات الالتهاب في الجسم الناتجة عن زيادة الأنسجة الدهنية.
من آثار السمنة: أبرز المضاعفات والتبعات الصحية
تلقي السمنة المفرطة بظلالها القاتمة على جودة حياة الفرد، حيث تمتد آثارها لتنال من الكفاءة الوظيفية لأجهزة الجسم المختلفة، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى تقليص متوسط العمر المتوقع، وعند الحديث عن السمنة المفرطة وعلاجها، يجب أولاً إدراك حجم المخاطر التي تسببها هذه الحالة، ومن أبرز أضرار السمنة للنساء والرجال ما يلي:
1. الاختلالات الأيضية وداء السكري
يُعد داء السكري من النوع الثاني من أكثر المضاعفات شيوعًا؛ إذ يؤدي تراكم الأنسجة الدهنية الزائدة إلى نشوء حالة مقاومة الأنسولين، مما يتسبب في اضطراب مستويات السكر في الدم، هذا الارتفاع المزمن يضع الجسم تحت تهديد مباشر بخطر تلف الأعصاب، واعتلال الكلى، ومشكلات الرؤية الحادة.
2. تحديات صحة القلب والأوعية الدموية
يمثل مرض القلب مصدر قلق بالغ للمصابين بالسمنة؛ فهي ترفع بشكل حاد من احتمالات الإصابة بفرط ضغط الدم، وارتفاع مستويات الكوليسترول الضار.
كما أن تراكم الدهون حول الأعضاء الحيوية يحفز حالة من الالتهاب المزمن داخل الجسم، مما يزيد من عرضة الفرد للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية الخطيرة.
3. التأثير على الجهاز الحركي والمفاصل
تتسبب السمنة في ضغوط ميكانيكية إضافية على الهيكل العظمي، لا سيما المفاصل الحاملة للوزن كالركبتين والوركين، هذا الضغط المستمر يمهد الطريق للإصابة بالتهاب المفاصل التنكسي، مما يولد آلامًا مزمنة تعيق القدرة على الحركة وتحد من النشاط اليومي.
4. اضطرابات التنفس وانقطاع النفس النومي
تؤدي الدهون المتمركزة حول منطقة الرقبة إلى تضييق الممرات الهوائية، مما يسبب انقطاع النفس النومي، هذه الحالة لا تكتفي بحرمان الفرد من النوم العميق وإصابته بالإرهاق الشديد فحسب، بل تمتد خطورتها لتشكل عبئًا إضافيًا يهدد سلامة القلب.
5. الجوانب النفسية والاجتماعية
لا تقتصر آثار السمنة على الجسد فقط، بل تمتد لعمق الصحة النفسية؛ حيث يواجه الكثيرون تحديات تتعلق بتدني تقدير الذات، ومشاعر الاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وقد تخلق هذه الضغوط النفسية حلقة مفرغة تدفع الفرد نحو الأكل العاطفي كآلية للهروب، مما يجعل الاهتمام بالصحة النفسية ركيزة لا غنى عنها لضمان الشفاء التام.
علاج السمنة المفرطة
تتعدد المسارات العلاجية المتاحة للأفراد الذين يواجهون تحدي السمنة، حيث تتنوع الخيارات بين إحداث تغييرات جذرية في نمط الحياة، والتدخلات الطبية الدقيقة، وصولاً إلى الحلول الجراحية المتقدمة.
ويعتمد اختيار البروتوكول العلاجي الأمثل على تقييم شامل لدرجة السمنة، والحالة الصحية العامة للمريض، ومدى استجابة جسمه للحلول الأولية، ومن هنا، تبرز أهمية الفهم العميق لملف السمنة المفرطة وعلاجها لضمان اختيار المسار الذي يحقق أفضل النتائج بأقل المخاطر.
علاج السمنة في البيت
تُمثل التعديلات السلوكية والمنزلية حجر الزاوية والخطوة الاستهلالية في رحلة التعافي من الوزن الزائد، وتتمثل في ركيزتين أساسيتين:
- إعادة صياغة النمط الغذائي: تبدأ الرحلة باتباع نظام غذائي متوازن ومدروس؛ حيث يمكن لأخصائي تغذية معتمد المساعدة في تصميم خطة غذائية شخصية، تركز بذكاء على تقليص مدخول السعرات الحرارية، مع ضمان تلبية كافة احتياجات الجسم الحيوية من العناصر الغذائية الأساسية.
- النشاط البدني الممنهج: يُعد التمرين عنصرًا جوهريًا لا غنى عنه في إدارة الوزن؛ إذ تشير التوصيات الطبية إلى ضرورة ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من التمارين الهوائية (الأيروبيك) ذات الشدة المعتدلة، لتحفيز عمليات الحرق وتحسين اللياقة القلبية.
- الدعم الدوائي التكميلي: في بعض الحالات، قد يرى الطبيب ضرورة لوصف عقاقير طبية تساعد في كبح الشهية المفرطة، أو تعزيز وتيرة فقدان الوزن، مع التأكيد على أن هذه الأدوية لا تعمل بفاعلية إلا إذا كانت جزءًا من منظومة متكاملة تشمل التدخلات الغذائية والحركية السابقة.
علاج السمنة المفرطة جراحيًا
تُمثّل جراحة إنقاص الوزن، والتي تُعرف طبيًا بـ جراحة السمنة، الملاذ العلاجي الذي يُخصص حصريًا للمرضى الذين يعانون من السمنة المرضية.
كما يتمحور مفهوم السمنة المفرطة وعلاجها جراحيًا حول آليتين رئيستين: إما تقليص المساحة الاستيعابية للمعدة لتقليل كمية الطعام، أو الحد من قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية، وفي بعض الأحيان الدمج بين الوسيلتين معًا، كما تتعدد الخيارات الجراحية المتاحة لتحقيق هذا الهدف، ومن أبرزها:
- جراحة تحويل مسار المعدة: تقوم هذه التقنية على إنشاء جيب صغير في الجزء العلوي من المعدة، مع تحويل مسار الغذاء مباشرة إلى الأمعاء الدقيقة؛ وبذلك يتم تجاوز الجزء الأكبر من المعدة والأمعاء، مما يحد من امتصاص السعرات الحرارية بشكل فعال.
- ربط المعدة القابلة للتعديل بالمنظار: وتُعرف بجراحة حلقة المعدة، حيث يتم تقسيم المعدة إلى جيب علوي صغير وآخر سفلي أكبر باستخدام حلقة قابلة للتعديل، ومن خلال التحكم في ضيق هذه الحلقة، يتم تقييد كمية الطعام المتناولة، كما تتميز هذه الجراحة بكونها إجراءً طفيف التوغل يساعد على فقدان الوزن بوتيرة تدريجية ومستقرة.
- عملية تكميم المعدة: وتُسمى أيضًا تحويل المعدة إلى أنبوب، حيث يعمد الجراح إلى تصغير حجم المعدة بشكل جذري عبر تدبيسها أو استئصال جزء كبير منها، وبنهاية الإجراء، يتحول شكل المعدة من جيب واسع إلى أنبوب ضيق، مما يقلل القدرة الاستيعابية للطعام ويسهم في خفض الوزن.
- تحويل مسار البنكرياس الصفراوي مع تحويل الاثني عشر: يُعد هذا الإجراء من العمليات الجراحية الأكثر تعقيدًا؛ إذ يتضمن استئصال جانب كبير من المعدة مع إعادة توجيه مسار الغذاء بعيدًا عن الجزء العلوي من الأمعاء الدقيقة، وبالرغم من أن هذه العملية توفر نتائج مبهرة في فقدان الوزن، إلا أنها قد ترتبط باحتمالية حدوث مضاعفات طبية تتطلب متابعة حثيثة.
مستقبل السمنة المفرطة وعلاجها: أحدث دواء لعلاج السمنة
بينما تتربع أدوية مثل (أوزمبيك، وويجوفي، ومونجارو) على عرش الحلول العلاجية الحالية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في ضرورة الالتزام بالحقن الأسبوعي، وهو ما قد يشكل عائقًا لبعض المرضى، وهنا تبرز بارقة أمل جديدة في عالم السمنة المفرطة وعلاجها، حيث كشفت دراسة حديثة نُشرت في “مجلة نيو إنجلاند الطبية” عن دواء واعد يُدعى “ماريتايد” (MariTide).
ما يميز هذا الابتكار الطبي هو طول نصف عمره الحيوي الذي يصل لـ 21 يومًا، مما يجعل جرعة واحدة شهريًا كافية لتحقيق نتائج مذهلة، وقد أظهرت التجارب السريرية التي شملت مئات المرضى ما يلي:
- خسارة وزن قياسية: انخفض وزن المشاركين بنسبة وصلت إلى 12.3% في غضون عام، مع تفوق ملحوظ في معدلات استجابة الجسم مقارنة بالمجموعات التي تناولت دواءً وهميًا.
- تحسين المؤشرات الحيوية: لم يقتصر التأثير على الوزن، بل امتد ليشمل خفض ضغط الدم وضبط مستويات الجلوكوز، مما يعزز الصحة العامة للقلب والشرايين.
- سهولة الالتزام: الميزة التنافسية الكبرى هي تمديد الفترة بين الجرعات، مما يضمن استمرارية العلاج دون انقطاع.
وعلى الرغم من ظهور بعض الآثار الجانبية الشائعة كالغثيان، إلا أن خبراءنا يتفقون في أن “ماريتايد” يمثل قفزة نوعية، بانتظار نتائج التجارب الأوسع نطاقًا ليصبح متاحًا كخيار علاجي مستقبلي يغير قواعد اللعبة.
كم وزن السمنة المفرطة؟ هل وزن 90 سمنة مفرطة؟
لا يمكن تحديد رقم مطلق للوزن الذي تبدأ عنده السمنة دون ربطه بالطول؛ فالوزن الذي يُعتبر مثاليًا لشخص طويل قد يُمثل سمنة مفرطة لشخص آخر قصير القامة. لذا، يعتمد الأطباء على مؤشر كتلة الجسم (BMI) كأداة قياس عالمية لتصنيف مراحل السمنة، وتقييم المخاطر الصحية المرتبطة بكل مرحلة، وهو ما يساعد في تحديد المسار الصحيح ضمن خطط السمنة المفرطة وعلاجها بفاعلية وأمان.
شرح فئات السمنة: من الدرجة المتوسطة إلى السمنة المرضية
يتم تقسيم السمنة إلى ثلاث فئات أساسية تعكس تدرج المخاطر الصحية، وذلك وفقًا لنتائج مؤشر كتلة الجسم:
- الفئة الأولى (السمنة المتوسطة): عندما يتراوح مؤشر كتلة الجسم بين 30 و 34.9.
- الفئة الثانية (السمنة الشديدة): عندما يتراوح مؤشر كتلة الجسم بين 35 و 39.9.
- الفئة الثالثة (السمنة المفرطة أو المرضية): عندما يصل مؤشر كتلة الجسم إلى 40 أو أعلى.
- المرحلة الرابعة من السمنة (الشكل الأكثر حدة): تمثل هذه المرحلة أقصى درجات هذه الحالة وأكثرها خطورة، إذ لا يقتصر الأمر فيها على زيادة الوزن فحسب، بل يرتبط ذلك بمضاعفات صحية جسيمة تؤدي إلى انخفاض ملحوظ في جودة الحياة، ويُعد الأفراد ضمن هذه الفئة هم الأكثر عرضة للإصابة بأمراض تهدد الحياة.
كيفية حساب السمنة المفرطة
إن فهم هذه المراحل يتيح لكل من الأفراد ومقدمي الرعاية الصحية تقييم المخاطر المحتملة بدقة، واختيار التدخلات العلاجية الأنسب، سواء كانت تعتمد على تغيير نمط الحياة، أو الحلول الدوائية، أو الجراحية.
للإجابة على سؤال هل وزن 90 سمنة مفرطة؟، يجب؛ أولاً حساب مؤشر كتلة الجسم عبر قسمة الوزن (90) على مربع الطول بالمتر، فإذا كان الشخص بطول 150 سم مثلاً، فإن هذا الوزن يضعه فعليًا في فئة السمنة المفرطة، بينما قد يُصنف كزيادة وزن بسيطة لشخص طويل القامة.
كيفية الوقاية من السمنة
تُعد الوقاية حجر الزاوية في مواجهة التحديات الصحية المعاصرة، ولا سيما عند الحديث عن السمنة المفرطة وعلاجها؛ إذ إن تبني نهج وقائي صارم يجنب الفرد الدخول في تعقيدات طبية طويلة الأمد. وتتمثل أبرز سبل الوقاية فيما يلي:
- اعتماد نظام غذائي مغذٍ: لا يقتصر الأمر على تقليل كميات الطعام، بل يمتد ليشمل جودته؛ وذلك من خلال التركيز على الأغذية الكاملة الغنية بالفيتامينات والمعادن التي تمد الجسم بالطاقة الحيوية دون زيادة في الكتلة الدهنية.
- الالتزام بالتمارين البدنية: تمثل الحركة المنتظمة المحرك الأساسي لعمليات الأيض؛ حيث تساهم ممارسة الرياضة في حرق السعرات الحرارية الزائدة وتقوية البنية العضلية، مما يعزز من قدرة الجسم على التوازن الفسيولوجي.
- ترسيخ نمط حياة صحي: الوقاية تبدأ من تفاصيل اليوم الصغيرة؛ بدءًا من تنظيم ساعات النوم وصولاً إلى إدارة الضغوط النفسية، مما يخلق بيئة داخلية تمنع تراكم الدهون وتحافظ على استقرار الوزن.
- تقليل تناول الأطعمة الغنية بالسعرات الحرارية: من الضروري ممارسة الوعي الغذائي عبر الحد من استهلاك الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة والمشروبات السكرية التي تتسم بكثافة طاقية عالية وقيمة غذائية منخفضة.
- الابتعاد التام عن الكحول: يؤدي استهلاك الكحول إلى إمداد الجسم بسعرات حرارية فارغة تساهم بشكل مباشر في اضطراب معدلات الحرق وتراكم الدهون في منطقة البطن، فضلاً عن أضراره الجسيمة على وظائف الكبد والتمثيل الغذائي.
الخلاصة
تبرز الضرورة القصوى لمعالجة السمنة المفرطة وعلاجها بمنهجية تتسم بالسرعة والفاعلية؛ إذ يمثل التعرف المبكر على العلامات والأعراض، والإدراك العميق للأسباب الجوهرية الكامنة وراءها، والاستعانة بالمشورة الطبية المتخصصة، حجر الزاوية والخطوات الأساسية في إدارة هذه الحالة الصحية الخطيرة.
إن الطريق نحو استعادة السيطرة على العافية يمر عبر إحداث تحولات حقيقية في نمط الحياة، والتركيز الراسخ على تبني أنظمة غذائية متوازنة، مع استكشاف كافة خيارات العلاج المتاحة، وصولاً إلى النظر في الإجراءات الجراحية للحالات الشديدة منها.
ومن المهم أن نتذكر دومًا أن السمنة من الدرجة الثالثة لا ينحصر أثرها في النطاق البدني فحسب، بل تمتد تبعاتها لتلقي بظلال بالغة على الصحة النفسية أيضًا.
ومع ذلك، يظل الأمل قائمًا؛ فبفضل التفاني الشخصي، وتلقي الدعم المستمر من خبراء الصحة، والالتزام الصادق بإجراء تغييرات جذرية ودائمة، يمتلك الأفراد الذين يعانون من هذه الحالة القدرة الكاملة على الارتقاء بنوعية حياتهم، وتحسين مؤشرات صحتهم العامة بشكل ملموس.









