الدهون الثلاثية (Triglycerides) هي أكثر أنواع الدهون انتشارًا في الجسم، وهي مصدر أساسي للطاقة، غير أن ارتفاعها المزمن في الدم يُعد عاملًا يرفع خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين والسكتة الدماغية، وقد يؤدي ارتفاعها الشديد إلى التهاب البنكرياس الحاد. وتكمن خطورتها في أنها لا تُسبب أعراضًا في الغالب، لذا فإن الطريقة الوحيدة لمعرفة مستواها هي تحليل الدم.
يشرح هذا المقال معنى تحليل الدهون الثلاثية (TG أو TRIG)، والقيم المرجعية المعتمدة دوليًا، وأسباب الارتفاع، ومضاعفاته، وكيف يُمكن خفضه بتغييرات مدروسة في نمط الحياة وبالعلاج الدوائي عند الحاجة تحت إشراف الطبيب.
ما هي الدهون الثلاثية؟
تتكوّن جزيئة الدهون الثلاثية من جزيء غليسيرول مرتبط بثلاثة أحماض دهنية، ومن هنا جاءت تسميتها. يحصل الجسم عليها من الطعام مباشرة، خاصة الزبدة والزيوت والدهون، كما يُصنّعها الكبد من السعرات الحرارية الزائدة، ولا سيما القادمة من السكريات والنشويات المكررة. تُخزَّن هذه الدهون في الخلايا الدهنية، ثم تُطلق إلى الدم عند حاجة العضلات إلى الطاقة بين الوجبات.
وتختلف الدهون الثلاثية عن الكوليسترول؛ فالكوليسترول مادة شمعية تدخل في بناء أغشية الخلايا وتصنيع بعض الهرمونات، أما الدهون الثلاثية فهي وقود للطاقة. لكن كليهما يُقاس عادةً في تحليل واحد هو «صورة الدهون» أو Lipid Profile، ويُقيِّم الطبيب نتائجهما معًا لتقدير خطر الإصابة بأمراض القلب. ولمعرفة المزيد عن هذا التحليل الشامل يمكن الرجوع إلى مقال فحص الدهون والكوليسترول.
ما هو تحليل الدهون الثلاثية (TG / TRIG)؟
تحليل الدهون الثلاثية فحص دم بسيط يُسحب فيه قدر صغير من الدم من وريد الذراع، ويستغرق السحب عادة بضع دقائق. يُستخدم التحليل لتقدير خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية وأمراض الشرايين الطرفية، ولمتابعة الاستجابة للعلاج لدى من لديهم ارتفاع في الدهون، وللبحث عن سبب بعض حالات التهاب البنكرياس.
دواعي إجراء التحليل
- الفحص الدوري ضمن صورة الدهون لدى البالغين الأصحاء.
- وجود عوامل خطر مثل السكري أو ما قبل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو زيادة الوزن، أو التدخين.
- وجود تاريخ عائلي لأمراض القلب المبكرة أو لارتفاع الدهون.
- متابعة فاعلية تغييرات نمط الحياة أو الأدوية الخافضة للدهون.
- تقييم حالات التهاب البنكرياس الحاد غير المفسَّر.
كم مرة يُجرى التحليل؟
توصي المكتبة الوطنية الأمريكية للطب (MedlinePlus) بإجراء صورة الدهون للمرة الأولى بين عمر 9 و11 عامًا، ثم كل خمس سنوات لدى البالغين الأصغر سنًا، وكل سنة إلى سنتين للرجال بين 45 و65 عامًا وللنساء بين 55 و65 عامًا، وسنويًا بعد سن 65. وقد يحتاج من لديهم عوامل خطر إلى فحص أكثر تكرارًا وفق تقدير الطبيب.
القيم الطبيعية للدهون الثلاثية
تُقاس الدهون الثلاثية بوحدة الملليغرام لكل ديسيلتر (ملغ/دسل) أو بوحدة الملي مول لكل لتر (ملمول/ل) في بعض التقارير، ويمكن التحويل بقسمة القيمة بالملغ/دسل على 88.5 تقريبًا. ويوضح الجدول التالي التصنيف المعتمد لدى المعهد الوطني الأمريكي للقلب والرئة والدم (NHLBI) للبالغين:
| التصنيف | ملغ/دسل | ملمول/ل (تقريبًا) |
|---|---|---|
| طبيعي | أقل من 150 | أقل من 1.7 |
| مرتفع حدّيًا | 150 – 199 | 1.7 – 2.2 |
| مرتفع | 200 – 499 | 2.3 – 5.6 |
| مرتفع جدًا | 500 فأكثر | 5.7 فأكثر |
أما للأطفال والمراهقين بين 10 و19 عامًا فيُعد المستوى الصحي أقل من 90 ملغ/دسل. وقد اقترحت جمعية القلب الأمريكية في بيانها العلمي لعام 2011 أن المستوى «الأمثل» صائمًا هو أقل من 100 ملغ/دسل، مع التأكيد على أن هذا الرقم هدف لنمط الحياة الصحي وليس هدفًا للعلاج الدوائي. وقد تختلف الحدود المرجعية قليلًا بين المختبرات، لذا تُقرأ النتيجة دائمًا مع الطبيب.
هل يلزم الصيام قبل تحليل الدهون الثلاثية؟
كان الصيام من 9 إلى 12 ساعة هو القاعدة التقليدية، وما زالت MedlinePlus تذكر أن الطبيب قد يطلبه. لكن الإجماع المشترك الصادر عام 2016 عن الجمعية الأوروبية لتصلب الشرايين (EAS) والاتحاد الأوروبي للكيمياء السريرية (EFLM) خلص إلى أن الفرق بين التحليل غير الصائم (خلال 1 إلى 6 ساعات بعد وجبة معتادة) والتحليل الصائم لا يتجاوز نحو 26 ملغ/دسل للدهون الثلاثية، وهو فرق غير مؤثر سريريًا لدى معظم الناس.
لذلك يُقبل التحليل دون صيام في أغلب الحالات، مع اعتبار القيمة غير الصائمة مرتفعة إذا بلغت 175 ملغ/دسل أو أكثر. ويبقى الصيام مطلوبًا في حالات معينة، منها: ارتفاع الدهون الثلاثية غير الصائمة فوق 400 ملغ/دسل تقريبًا، ومتابعة التعافي من التهاب بنكرياس مرتبط بالدهون، أو إذا كان الفحص يتضمن سكر الدم الصائم. ويُنصح بالالتزام بتعليمات الطبيب أو المختبر في كل حالة. وللاطلاع على تفاصيل هذا الخيار راجع مقال تحليل الدهون الثلاثية بدون صيام.
نصائح للحصول على نتيجة دقيقة
- تجنُّب الوجبات الدسمة جدًا والكحول في اليوم السابق للتحليل.
- الحفاظ على النظام الغذائي المعتاد في الأسابيع السابقة للفحص، وعدم اتباع حمية مفاجئة قبله مباشرة.
- إبلاغ الطبيب بجميع الأدوية والمكملات المستخدمة.
- تأجيل التحليل عند المرض الحاد أو بعد عملية جراحية حديثة، لأن ذلك قد يؤثر في مستوى الدهون مؤقتًا.
أسباب ارتفاع الدهون الثلاثية
ينتج ارتفاع الدهون الثلاثية عادةً عن تفاعل بين الاستعداد الوراثي وعوامل مكتسبة. وتشير المصادر الطبية إلى أن الأسباب الثانوية هي الأكثر شيوعًا، وأهمها:
- نمط الغذاء: الإفراط في السكريات المضافة والمشروبات المحلّاة والنشويات المكررة مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض بكميات كبيرة، والدهون المشبعة والمتحولة.
- زيادة الوزن والسمنة، وخاصة تراكم الدهون حول البطن.
- قلة النشاط البدني.
- السكري غير المنضبط ومقاومة الإنسولين.
- أمراض أخرى: قصور الغدة الدرقية، وأمراض الكلى، وأمراض الكبد.
- الكحول والتدخين.
- بعض الأدوية: مثل مدرات البول، وبعض أدوية علاج سرطان الثدي، وبعض أدوية فيروس نقص المناعة البشري، والكورتيكوستيرويدات.
- العوامل الوراثية: مثل اضطرابات استقلاب الدهون العائلية، وهي من أسباب الارتفاع الشديد خاصة إذا ظهر دون سمنة أو سكري.
الدهون الثلاثية في المملكة العربية السعودية
تُظهر الدراسات السعودية أن ارتفاع الدهون الثلاثية شائع. ففي مسح وطني نُشر في المجلة الطبية السعودية عام 2008 وشمل 16,819 مواطنًا تتراوح أعمارهم بين 30 و70 عامًا، بلغ معدل ارتفاع الدهون الثلاثية (1.69 ملمول/ل فأكثر) نحو 40.3%، وكان أعلى لدى الرجال (47.6%) منه لدى النساء (33.7%). وتجدر الإشارة إلى أن بيانات هذا المسح جُمعت بين عامي 1995 و2000، ولا تتوافر حتى الآن أرقام وطنية أحدث بالمنهجية نفسها.
وتنسجم هذه الأرقام مع ارتفاع معدلات السمنة والسكري في المنطقة، مما يجعل فحص صورة الدهون جزءًا مهمًا من الرعاية الوقائية للبالغين في المملكة.
أعراض ارتفاع الدهون الثلاثية ومضاعفاته
لا يُسبب ارتفاع الدهون الثلاثية أعراضًا في معظم الحالات، ولهذا يوصف بأنه «عدو خفي». لكن آثاره تظهر على المدى البعيد، وتشمل:
- أمراض القلب والشرايين: يرتبط الارتفاع المستمر بزيادة خطر مرض الشريان التاجي والجلطات القلبية والسكتة الدماغية، خاصة عندما يترافق مع ارتفاع الكوليسترول الضار أو انخفاض الكوليسترول النافع. ويُفصّل مقال مخاطر الدهون الثلاثية وتصلب الشرايين هذه العلاقة.
- التهاب البنكرياس الحاد: يرتفع خطره عندما تتجاوز الدهون الثلاثية 500 ملغ/دسل، ويزداد بوضوح مع المستويات الأعلى. وللتوسع راجع مقال التهاب البنكرياس والدهون الثلاثية.
- متلازمة الأيض: إذ يُعد ارتفاع الدهون الثلاثية أحد مكوّناتها إلى جانب السمنة البطنية وارتفاع الضغط والسكر وانخفاض الكوليسترول النافع.
- علامات الارتفاع الشديد: عند المستويات العالية جدًا قد تظهر بثور دهنية صفراء على الجلد، وتغيّر في مظهر أوعية شبكية العين، وعند تجاوز 1,500 ملغ/دسل قد تحدث متلازمة الكيلوميكرونات المصحوبة بألم البطن وتضخم الكبد والطحال.
كيف تخفض الدهون الثلاثية؟
تستجيب الدهون الثلاثية لتغييرات نمط الحياة استجابة واضحة مقارنة بالكوليسترول. فبحسب البيان العلمي لجمعية القلب الأمريكية، يمكن أن تنخفض بنسبة تتراوح بين 20% و50% بتعديل الغذاء وزيادة النشاط وإنقاص الوزن، وقد يتجاوز الانخفاض 50% عند الجمع بين هذه الإجراءات.
1. تعديل النظام الغذائي
- تقليل السكريات المضافة إلى أقل من 5–10% من السعرات اليومية (نحو 100 سعرة للنساء و150 سعرة للرجال يوميًا)، وأهمها المشروبات الغازية والعصائر المحلّاة.
- الحد من الفركتوز من المصادر المصنّعة، وتفضيل الفواكه الكاملة باعتدال بدلًا من العصائر. ويشمل ذلك الاعتدال في التمر رغم قيمته الغذائية.
- خفض الدهون المشبعة إلى أقل من 7% من السعرات، وتجنب الدهون المتحولة.
- استبدال الحبوب الكاملة والبقوليات والخضروات بالنشويات المكررة.
- تناول الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين مرتين أسبوعيًا لاحتوائها على أحماض أوميغا 3.
ولمزيد من الأفكار العملية المتوافقة مع المطبخ المحلي راجع مقال الحمية السعودية لخفض الدهون الثلاثية وتقليل السكريات.
2. النشاط البدني
يُوصى بما لا يقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا من النشاط متوسط الشدة مثل المشي السريع، وقد يضيف ذلك وحده انخفاضًا بنسبة 20–30% في الدهون الثلاثية. ويُستحسن استشارة الطبيب قبل البدء لمن لديهم أمراض قلبية أو مزمنة.
3. إنقاص الوزن
يرتبط فقدان 5–10% من وزن الجسم لدى من يعانون زيادة الوزن بانخفاض الدهون الثلاثية بنحو 20%، إضافة إلى تحسن السكر والضغط.
4. الامتناع عن التدخين والكحول، وتحسين النوم
ينصح المعهد الوطني للقلب والرئة والدم بالإقلاع عن التدخين، وتجنب الكحول خصوصًا عند المستويات المرتفعة جدًا، والحصول على نوم كافٍ، وإدارة التوتر.
5. العلاج الدوائي
عندما لا تكفي تغييرات نمط الحياة، أو عندما يكون الارتفاع شديدًا، قد يصف الطبيب أدوية مثل الفايبرات، أو أحماض أوميغا 3 المركّزة الدوائية، أو الستاتينات التي تُستخدم أساسًا للكوليسترول وتخفض الدهون الثلاثية أيضًا. ويختار الطبيب الدواء وجرعته بحسب مستوى الدهون وخطر الإصابة بأمراض القلب والحالات المصاحبة.
ومن المهم التمييز بين أوميغا 3 الدوائية الموصوفة وبين المكملات الغذائية المتاحة دون وصفة؛ إذ يوضح المعهد الوطني للقلب والرئة والدم أن المكملات ليست معتمدة لعلاج ارتفاع الدهون الثلاثية، لذا لا يُنصح بالاعتماد عليها بديلًا عن تقييم الطبيب.
متى تراجع الطبيب فورًا؟
- إذا أظهر التحليل مستوى 500 ملغ/دسل أو أكثر، فهذا يستدعي مراجعة الطبيب دون تأخير.
- عند الشعور بألم شديد ومستمر في أعلى البطن يمتد إلى الظهر مع غثيان أو قيء، خاصة لدى من لديهم ارتفاع معروف في الدهون، لأنه قد يدل على التهاب البنكرياس ويستوجب التوجه إلى الطوارئ.
- عند وجود ألم في الصدر أو ضيق تنفس أو أعراض سكتة دماغية مثل ضعف أحد جانبي الجسم أو صعوبة الكلام.
- إذا كان لدى أحد الأقارب من الدرجة الأولى ارتفاع شديد في الدهون أو التهاب بنكرياس، إذ قد يوصي الطبيب بتقييم وراثي.
تحليل الدهون الثلاثية في مختبرات دلتا
يمكن إجراء تحليل الدهون الثلاثية منفردًا أو ضمن صورة الدهون الكاملة في مختبرات دلتا الطبية، مع إمكانية الاستفادة من خدمة سحب العيّنات من المنزل. وللاستفسار أو الحجز:
- الرقم الموحّد: 920022723 (هاتف وواتساب).
- البريد الإلكتروني: info@delta-medlab.com
- صفحة الفروع: https://delta-medlab.com/branches/
وتبقى قراءة النتيجة وتحديد الخطة العلاجية من مهام الطبيب المعالج، الذي يقيّمها في ضوء التاريخ الصحي ونتائج الفحوص الأخرى.
أسئلة شائعة
هل يمكن أن تكون الدهون الثلاثية مرتفعة لدى شخص نحيف؟
نعم، فالوزن ليس العامل الوحيد؛ إذ قد ترتفع الدهون الثلاثية بسبب العوامل الوراثية، أو الإفراط في السكريات، أو قصور الغدة الدرقية، أو بعض الأدوية، حتى لدى أصحاب الوزن الطبيعي.
ما الفرق بين الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار؟
الدهون الثلاثية وقود يُخزَّن للطاقة، أما الكوليسترول الضار (LDL) فهو بروتين دهني ينقل الكوليسترول ويُسهم مباشرة في تكوين اللويحات داخل الشرايين. ويُقاس الاثنان معًا لأن اجتماع ارتفاعهما يرفع الخطر القلبي. وللمزيد راجع مقال الدهون الثلاثية: ماذا تعني؟.
كم يستغرق خفض الدهون الثلاثية بتغيير نمط الحياة؟
تستجيب الدهون الثلاثية بسرعة نسبية للتغييرات الغذائية وتقليل السكريات، وغالبًا ما يطلب الطبيب إعادة التحليل بعد بضعة أسابيع إلى ثلاثة أشهر لتقييم الاستجابة.
هل تكفي مكملات أوميغا 3 لعلاج الارتفاع؟
لا يُنصح بذلك؛ فالمكملات المتاحة دون وصفة ليست معتمدة لعلاج ارتفاع الدهون الثلاثية، وتختلف عن المستحضرات الدوائية المركّزة التي يحدد الطبيب الحاجة إليها وجرعتها.
هل يرفع التمر والعسل الدهون الثلاثية؟
يحتوي كلاهما على سكريات طبيعية منها الفركتوز، والإفراط فيهما قد يُسهم في رفع الدهون الثلاثية لدى المعرّضين لذلك. الاعتدال هو الأساس، ويمكن لأخصائي التغذية تحديد الكمية المناسبة لكل شخص.
إخلاء مسؤولية: هذا المقال للتثقيف الصحي العام ولا يُغني عن استشارة الطبيب. تُفسَّر نتائج التحاليل في ضوء الحالة الصحية لكل شخص، ولا يجوز بدء أي دواء أو إيقافه دون إشراف طبي.
المصادر
- National Heart, Lung, and Blood Institute (NHLBI). High Blood Triglycerides. nhlbi.nih.gov
- MedlinePlus, U.S. National Library of Medicine. Triglycerides Test. medlineplus.gov
- American College of Cardiology. Summary of: Nordestgaard BG, et al. Fasting Is Not Routinely Required for Determination of a Lipid Profile — EAS/EFLM Joint Consensus Statement (2016). acc.org
- American Heart Association (via ScienceDaily). Dietary, lifestyle changes can significantly reduce triglycerides — on Miller M, et al. Circulation 2011. sciencedaily.com
- Al-Nozha MM, et al. Hyperlipidemia in Saudi Arabia. Saudi Medical Journal 2008;29(2):282–287. smj.org.sa